محمد كرد علي
9
خطط الشام
وأصبح لهذا العصر طراز خاص عرف به لم يكن له منذ عرف تاريخ الأدب العربي أي منذ زهاء خمسة عشر قرنا . وكان للصحف والمجلات ولانتشار الآداب الانكليزية والفرنسية والتركية وغيرها تأثير كبير في هذا الانقلاب الأدبي في ديارنا ، والمبرزون فيه ما زالوا قلائل جدا ، ويرجى أن لا يمضي عقدان أو ثلاثة من السنين حتى تكون الشام أخت مصر في هذا الشأن مع مراعاة النسبة بين حالة القطرين السياسية ، والنظر إلى وفرة السكان والغنى ، وتوفر أسباب التعليم العربي في القطر المصري . العلم والأدب عند أقدم شعوب الشام : صمت تاريخ العلم في هذه الديار عن ذكر الرجال الذين اشتهروا مثلا على عهد الحثيين ومن كان قبلهم من القبائل التي نزلت الشام ، وخلفت فيها آثارا في العمران لا تقوم بغير العلم ، ولم ينقل إلا أسماء قليلة اشتغل أربابها بالعلم الديني والدنيوي على عهد بعض الدول الخالفة ، ولا سيما الكلدان والعبران والرومان واليونان ، ولولا بعض عاديات أثرت عن الأمم التي تأصل حكمها في بعض أرجاء القطر ، وأخبار نقلتها التواريخ الصحيحة لقلنا إن أكثرهم كانوا أمما بدوية على الفطرة . وأهم ما أثر عن الفينيقيين مما ساعد العلم بالنسبة لعصورهم اختراعهم حروف الكتابة ، بل تحسين أصولها وجعلها مطابقة للأصوات ، ونقلهم لها إلى الأمم التي أبحروا واتجروا معها ، وعنهم أخذتها أمم الحضارة الحديثة النازلة على شواطئ البحر المتوسط وما إليها . وهذا الاختراع أهم ما عرف في القديم كما كانت الطباعة في القرون الحديثة أهم اختراعاتها في نظر العلم . قال بورتر : لا يستحق الذكر من علوم الفينيقيين سوى علم الكتابة بحروف هجائية ، وليس هم أول من استعملوا الكتابة لأنا علمنا من الآثار أنها كانت عند المصريين والكلدانيين قبل عهدهم ، غير أن كتابتهم لم تكن بحروف وفق الأصوات البشرية الأصلية كالحروف الهجائية التي استنبطها الفينيقيون واعتبروا بها كل الاعتبار لأنهم أتقنوا الكتابة ونشروها بين أكثر الأمم المتمدنة لاتساع تجارتهم ، فإن الحروف الهجائية في لغات أوروبا وغربي آسيا وشمالي إفريقية مشتقة من حروفهم .